حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
195
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام ، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم ، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثا غير قولهم « اللّه يشهد إنا لصادقون » . سئل بعض العرب عن نسبه فقال : قرشي والحمد للّه ، فقيل له : قولك : « الحمد للّه » في هذا المقام ريبة . أو المراد بالشهداء ، اللّه تعالى ، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس . فكأنه قيل لهم ادعوا غير اللّه من الجن والإنس من أردتم كقوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [ الإسراء : 88 ] الآية وإنما استثنى اللّه لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد . واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول : إني مخصوص من اللّه تعالى بمزيد الكرامة والنور ، وجعلني واسطة بينكم وبين هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد ، وإن كنتم في ريب مما أقول ، فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار اللّه تعالى إياه على يدي وأنتم لا تقدرون عليه لعدم إقداره ، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق فيما أقول ، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة اللّه تعالى ونور هدايته اتبعوه واهتدوا ، وإلا بقوا في الضلالة خائبين . وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط اللّه تعالى بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد ، ولا يلزم من هذا أن يكون للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها ، بل اللّه يهدي من يشاء وكل بقدر . وقوله « إن كنتم صادقين » قيد لقوله « فأتوا » ولقوله « وادعوا » المعطوف عليه . ويجوز أن يكون قيدا لقوله « وادعوا » لأن قوله « فأتوا » مقيد بقوله و « إن كنتم » وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير : وإن كنتم في ريب فأتوا ، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم ، أو في أن القرآن غير معجز ، فادعوا شهداءكم . وإنما قلنا : الجواب محذوف ، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط ، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام ، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك « أنت مكرم إن جئتني » وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل موضع . وأما قوله « فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا » الآية . فأقول أولا : إنها تدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم من وجوه : أحدها : أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه صلى اللّه عليه وسلم أشد المعاداة ، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك . فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله « فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا » فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به ، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزا . وثانيها : أنه صلى اللّه عليه وسلم إن كان متهما عندهم فيما يتعلق بالنبوة ، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل . فلو خاف صلى اللّه عليه وسلم عاقبة أمره لتهمة فيه صلى اللّه عليه وسلم - حاشاه عن ذلك - لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية . وثالثها : أنه صلى اللّه عليه وسلم لو لم